ثلاثة أحلام لا حلم واحد: النظر إلى صورة، وإخفاؤها في درج، وتمزيقها. وما فعلته بها أدل مما فيها.
علبة صور قديمة في أعلى الخزانة، تفتحها يدك في المنام فتطالعك فيها وجوه غريبة عنك. الصورة لحظة توقفت عن الحركة، وهكذا يقرؤها التقليد: ماض ثبت في مكانه، وذكرى حفظت ولم تحمل إلى الأمام. وما في الإطار يعامل عادة شيئا انتهى منه صاحبه بمعنى، ولم ينته منه بمعنى آخر.
ينتقل المفسرون سريعا إلى السؤال الأنفع: ماذا فعلت بالصورة؟ فالنظر إليها، وإخفاؤها في درج، وتمزيقها، ثلاثة أحلام لا حلم واحد. وصورة أتلفت عن عمد تقرأ قرارا بالكف عن العودة إلى شيء، لا محوا له من الذاكرة. وثمة فرق كذلك بين العثور على صورة والتقاطها: الالتقاط يقرأ رغبة في تثبيت لحظة يخشى أن تفلت، والعثور يقرأ عودة شيء إليك دون سعي منك.
وما في الإطار يقرأ بحسبه. صورتك أنت تقاس على صورتك في نفسك، والنسخة التي لا يتضح لك فيها من ينظر إليك يكثر ذكرها مع تغير لم يلحق به ذهنك بعد. وصورة شخص فقدته شائعة ولطيفة في الغالب، وتفهم عودة الذهن إلى من ما زال يحمله. وصور العائلة تشير إلى الترتيب الذي جئت منه. أما صورة فارغة أو ذهبت منها الوجوه فمن الصور القليلة التي تقلق كل من يراها، ويصلها القراء بذكرى خفتت لا بفقد قادم.
وللصور في المنام عادة أن تتبدل تحت العين: تتحرك الوجوه، وتتغير الخلفيات، وتصير التواريخ بلا معنى. يعامل هذا سلوكا عاديا للذاكرة لا نذيرا، لأن الذاكرة تعيد ترتيب نفسها فعلا مع الوقت، والمنام يعرض هذه العملية بصراحة غير معتادة. وفي روايات هذه الأيام تحل شاشة الهاتف محل الألبوم الورقي، فتظهر ألبومات لا تنتهي أو صور تختفي كلما بحثت عنها، وتقرأ كما تقرأ الصور القديمة تماما.
ولا أحد يستطيع أن يخبرك بمعنى صورة بعينها، لأن المعنى مخزون فيك سلفا. ورقة لا تعني لغريب شيئا قد تكون أثقل ما في بيتك. حين تظهر واحدة في منامك، يجدر البدء بما هي صورة له، وبما يخالجك عند النظر إليها في اليقظة، ثم تأتي القراءة العامة في المرتبة الثانية.