معرفة وسجل ورفوف يصعب بلوغها، والكتاب في المنام يحمل من ذاكرتك معه أكثر مما يحمل من عنوانه أو غلافه.
قبل أن يصير الكتاب في المخيلة رمزًا للمعرفة، كان سجلًا: دفترًا تُقيَّد فيه الأمور فلا تُمحى بسهولة. وهذه الطبقة القديمة أعطت الصورة ثقلًا تفتقر إليه القراءة الحديثة، ومنها جاءت العبارات التي تتحدث عن عمر يُكتب صفحة صفحة. وما في هذه الصفحة قراءة رمز الورق والحبر والذاكرة، لا درس في الدين ولا شرح لنص مقدس.
يصف كثيرون أنهم كانوا يعرفون تمامًا موضوع الكتاب من غير أن يقدروا على قراءة سطر واحد منه. يقرأ المفسرون ذلك فهمًا لم يجد كلماته بعد، وهو وصف يطابق ما يرويه الناس. والتفسير الأبسط أن ما يعمل في الدماغ أثناء القراءة لا يشتغل في النوم كما يشتغل في اليقظة، ولهذا تتحرك الحروف وتتبدل كلما نظرت إليها مباشرة. والتفسيران يجلسان معًا من غير تعارض.
ويظهر المكان في هذه المنامات بقدر ما يظهر الكتاب. رفوف عالية لا تصلها اليد تُقرأ مع معرفة تشعر أنها فوق متناولك الآن، وفوضى الكتب على الأرض تُجمع مع تراكم معلومات لم ترتبها بعد. وكتاب تعيره ولا يعود إليك يُذكر مع ما تعطيه من وقتك أو خبرتك من غير مقابل. وأما إهداء كتاب إلى أحد فيُقرأ رغبة في أن يرى شخص ما الأمور من الزاوية التي تراها منها.
ويبقى أن الكتاب في منام قارئ يومي شيء غير الكتاب في منام من لم يفتح كتابًا منذ سنوات، وما من صفحة تعبر هذه المسافة نيابة عنك. ومواسم الامتحانات وحدها تفسر عددًا غير قليل من هذه المنامات.


