حشرة صغيرة قرئت في التراث إلحاحا لا خطرا، ومعها تفسير عادي يبدأ من المطبخ وليل الصيف والرطوبة في البناء.
تشعل الضوء في المطبخ بعد منتصف الليل فتلمح شيئا يجري نحو الظل. هذه اللقطة وحدها تكفي لتفسير كثير من هذه الأحلام قبل فتح أي كتاب، لأن ما يراه المرء في يومه يعود إليه في نومه. لكن التراث التفسيري، العربي القديم والأوروبي على السواء، أعطى الصرصور معنى أوسع: شيء غير مرغوب فيه لا ينتهي، ومسألة صغيرة تعاود الظهور بعد كل مرة يظن فيها صاحبها أنه أغلقها.
القراءة الأولى ترى فيها إلحاحا لا خطرا. هي لا تهاجم ولا تفترس، وإنما تختبئ وتصمد وتعود، وعلى هذه الصفات الثلاث بنيت أغلب التأويلات: أعمال مؤجلة، خلافات صغيرة في البيت أو العمل، تفاصيل تعالج على السطح فتطل من جديد. والقراءة الثانية تنظر إلى ردة الفعل نفسها، إلى النفور الذي يسبق أي معنى، وتقرؤه انزعاجا من أمر يعرف الحالم أنه موجود ويفضل ألا يراه.
واحد يختلف عن سرب. رؤية صرصور منفرد ترتبط عادة بأمر بعينه يلح، بينما يقرأ السرب إرهاقا من كثرة الصغائر لا من حادثة كبيرة واحدة. ومن أكثر الصور تكرارا في الروايات أن يقتل الحالم واحدا فيجد غيره، وقد فسرت قديما بأنها جهد يصرف في غير موضعه. والمكان يضيف طبقة أخرى: المطبخ يحيل إلى ما يدخل البيت، والحمام إلى ما يخص الجسد والخصوصية، والحقيبة أو الملابس إلى ما يحمله المرء معه أينما ذهب.
ليس النفور شعورا عاما عند كل الناس. في المناطق الحارة يعد الصرصور جزءا عاديا من الصيف، ولا يثير عند كثيرين أكثر مما تثيره فراشة ليلية، ومن يتعامل معه بحكم عمله لا يجد فيه رعبا يفسر. وإن لم تكن الحشرة تزعجك في اليقظة فقراءة الاشمئزاز لا تنطبق عليك، ويكون الحلم قد استعارها لشيء آخر. ويحسن الانتباه إلى أن انتشار الحشرات يتبع البناء والرطوبة لا أخلاق ساكنيه، فما علق بهذه الصورة من خجل اجتماعي لا سند له.
علاقتك أنت بالحشرة، وأسبوعك الذي سبق النوم، يأتيان قبل أي سطر في كتاب. والصورة تعرض هنا كما تراكمت في التراث، وليس فيها إعلام بما هو مقبل.


