باب لا يقوم على الخوف بل على الإلحاح، ويسأل فيه المفسر عن العدد وعن موضع الوقوف قبل أن يسأل عن أي شيء آخر.
قلّ أن يترك رمز في المنام أثرًا من الضيق مثل الذي تتركه الحشرات، والذباب في مقدمتها. من يستيقظ من منام كهذا يصف شعورًا ثقيلًا يبقى بعض الوقت بعد فتح العينين، وهذا الشعور نفسه جزء من مادة التفسير لا أمر عابر يُهمل. ولهذا يُقرأ الذباب في التراث التفسيري القديم وفي كتب المنام الغربية على السواء بوصفه إزعاجًا صغيرًا متكررًا لا خطرًا كبيرًا.
في أكثر الحيوانات لا يهم العدد كثيرًا، أما هنا فهو التفصيل الأول. ذبابة واحدة تدور حولك تُقرأ أمرًا واحدًا معلقًا لم يُحسم: مكالمة مؤجلة، ورقة ناقصة، شخص لا يفهم الإشارة. أما السرب فيُقرأ تراكمًا، إحساس أن الأشياء الصغيرة نزلت دفعة واحدة. ومن يروي أنه طارد ذبابة لا تموت، أو أنها عادت كلما أدار ظهره، فهو يصف قلب الرمز كما يفهمه المفسرون: التكرار لا التهديد.
موضع وقوف الذباب يحمل نصف المعنى. وقوفه على الطعام أو قرب المهملات ينتمي إلى طبقة قديمة من التفسير تتحدث عن الإهمال وعن شيء تُرك من غير رعاية، لا عن عيب فيك. وقد قرأت تقاليد عدة هذه الصورة التفاتة إلى زاوية من الحياة اليومية لم ينظر إليها أحد منذ مدة. ولا يُؤخذ شيء من هذا رأيًا في نظافة بيت أو في صحة أحد.
ويفرّق أهل التعبير بين الذباب وغيره من الحشرات الصغيرة. البعوض يرتبط بالسهر وبما يمنع النوم، والنمل يرتبط بالعمل الدؤوب وبالجمع والادخار، أما الذباب فيبقى في باب الإلحاح وحده. ولهذا يُسأل الرائي أولًا عن شعوره: هل كان غضبًا أم عجزًا. الغضب يوجّه القراءة نحو أمر معلوم تريد إنهاءه، والعجز يوجّهها نحو أمر تكرر حتى فترت رغبتك في مطاردته أصلًا.
في ليالي الصيف يكفي طنين قريب من السرير ليدخل المنام كما هو. وكثيرون يقولون إن الطنين استمر بعد الاستيقاظ، وهذا يعني ببساطة أن الصوت كان في الغرفة. ومن نشأ في بيت ريفي لا يعبأ بالذباب في الصيف لم ير المنام نفسه الذي رآه من ينفر من الحشرات نفورًا شديدًا، حتى لو تطابقت الصورة تمامًا. سياقك أنت يسبق أي معنى عام مكتوب هنا.


