الصغر هو الرمز كله: هم صغير وجد طريقه إلى الداخل. العدد يغير النبرة، والفارق عن الجرذ مقصود عند المفسرين.
ما الذي يجعل كائنا بهذا الصغر يظل عالقا في الذاكرة بعد الاستيقاظ؟ الفأر لا يلفت بحجمه بل بوجوده في مكان لا ينبغي أن يكون فيه، وبسرعته التي لا تترك للعين وقتا. لذلك قرأه المفسرون منذ القدم على أنه مشكلة صغيرة تسللت إلى الداخل: هم أقل من أن يقال لأحد، أو نفقة أصغر من أن تحسب حتى يظهر تكرارها.
تفصل الكتب بين الاثنين عن قصد، والعربية تعين على ذلك: الفأر صغير بيتي يألف الخزائن وزوايا المطبخ، والجرذ أكبر جسما ويرتبط بالمجاري والمخازن والأماكن المهملة. لذلك حمل الجرذ في أكثر التقاليد معاني المرض والغدر والاشمئزاز، وبقي للفأر معنى الضيق الخفيف والهشاشة وشيء من التعاطف. ومن لم يتبين أيهما رأى فالنصيحة المتوارثة أن يعود إلى شعوره في المنام، فالخوف يشير إلى جهة والضجر الخفيف إلى جهة أخرى.
العدد يغير القراءة كلها. فأر واحد يقرأ إزعاجا طفيفا، وأحيانا خجلا أو صمتا في موضع كان الكلام فيه ممكنا. أما عدة فئران، أو صوتها داخل جدار، فيقرأ على أن شيئا صغيرا تكاثر بينما لم يكن أحد ينتبه، وهذه القراءة نفسها ترد في مصادر متباعدة الأزمنة. وإذا طاردت قطة فأرا نظر المفسر أيهما شغل الرؤيا أكثر، ومن هناك يبدأ لا من الحيوانين معا. وقضم الفأر لطعام أو ثوب يقرأ في الكتب القديمة تسربا بطيئا لما تملكه، أي نقصا لا يلحظ في يومه ويلحظ في آخر الشهر. أما الذي يختفي في جحر قبل أن تمسكه فيقرأ أمرا أفلت منك وأنت تنظر إليه.
ولهذه الرؤيا سبب مباشر يستحق أن يفحص قبل أي رمز: صوت خدش في الليل، حركة خلف خزانة، أو حديث في البيت عن مصيدة قبل النوم بساعة. الأذن تلتقط ذلك وهي نصف نائمة فتصنع منه صورة كاملة.
ومن عانى مطبخا موبوءا شهرا كاملا لا يمكن أن يرى الصورة خفيفة مهما قيل له عن الضيق الصغير. أما من في بيته قفص فيه فأر أليف يطعمه ابنه كل مساء فلا يجد فيها أذى أصلا، ومن ارتبط الفأر عنده بشخصية محببة في الرسوم يأتي بارتباط ثالث لا صلة له بالاثنين. هنا يسهل أن يغلب ما عشته على ما في المعجم، ومن حقه أن يغلب، والسؤال الأول: أي فأر هذا في تاريخك أنت.


