رمز لا يحسمه المعجم وحده. ما تحمله أنت عن القطط منذ الطفولة يرجح كفة الأنس أو كفة الريبة قبل أي معنى موروث في الكتب.
يقف القط عند عتبة باب معتم وينظر إليك دون أن يتحرك. قل أن يقف المؤولون من حيوان على طرفي نقيض كما وقفوا من هذا: خط قديم يقرؤه حضورا أليفا في البيت وعلامة رزانة وثقة بالنفس، وخط آخر يقرأ الكائن نفسه مكرا يتحرك على أطراف حياتك، شخصا أو وضعا لا تراه على حقيقته.
اللافت أن القراءتين خرجتا من ملاحظة واحدة. القط يعيش بين الناس دون أن ينتمي إليهم تماما، يألف حين يشاء، ويغيب ويعود بلا تفسير، ويصطاد في صمت. من أعجبته هذه الاستقلالية جعلها رمزا للاتزان والغريزة، ومن ارتاب فيها حول الصفات ذاتها إلى صورة صديق يحتفظ بشيء لنفسه. ولأن الروايتين تنقض إحداهما الأخرى، فإن المعجم وحده لا يحسم كثيرا.
ما يرجح كفة على أخرى أمران في العادة: كيف تصرف القط، وكيف شعرت أنت وأنت تنظر إليه. قط نائم فوق قدميك وقط يحدق بك من ممر مظلم ليسا الحلم نفسه بفروة مختلفة. والتفاصيل التي يقف عندها المؤولون قليلة: قط تملكه يقرأ غالبا جزءا منك تعرفه جيدا، خصوصيتك وحاجتك إلى الراحة والجانب الذي يرفض أن يستدعى. وقط شارد لا تعرفه يربط تقليديا بشيء دخل ظروفك دون دعوة، مع أن كثيرين يرون ببساطة قططا مروا بها في الشارع ذلك الأسبوع.
الخدش أو الفحيح يوصل عادة باحتكاك مع شخص تجاوزت حدوده، لا بتهديد من أي نوع، والقطط الصغيرة تقرأ مسؤوليات صغيرة من النوع الظريف الذي لا يمهل صاحبه.
هنا يتنحى المعجم. من نشأ وثلاثة قطط على أريكة البيت يحمل رصيدا من المشاعر يختلف تماما عمن خدشه قط في طفولته خدشا موجعا، أو عمن لا يجلس في غرفة فيها قط دون أن تدمع عيناه. الحيوان الذي ظهر في نومك مركب من ذكرياتك عن القطط قبل أن يكون رمزا عاما، فابدأ من هناك قبل أي معنى موروث. وفي التراث التفسيري العربي القديم مادة واسعة حول هذا الرمز، تذكر هنا بوصفها تقليدا في القراءة لا أكثر، فهي تصف ما قاله الناس عن هذه الصورة لا ما ستؤول إليه أيامك.


