يقف الكلب في التراث على طرفين لا يختار بينهما: كلب يستقبلك فيقرأ وفاء وحماية، وكلب يكشر فيقرأ ثقة اهتزت.
لا حيوان اختلفت حوله البيوت مثل الكلب: بيت يجعله فردا من الأسرة وينادونه باسمه، وبيت لا يقترب منه أحد ولا يتجاوز عتبته. وقد وقف التراث التفسيري أمام هذه الصورة على طرفين متقابلين ولم يرجح أحدهما. كلب يستقبلك ويهز ذيله يقرأ وفاء وحماية ورفقة، وكلب يكشر أو يعض يقرأ ودا انقلب، أو صديقا صار موضع شك، أو خصومة أتت من جهة كنت قد وضعتها في خانة الأمان. والمصادر القديمة تحتفظ بالوجهين معا بدل أن تختار واحدا منهما وتسكت عن الآخر.
القاموس هنا أقل قيمة من سجلك الشخصي مع هذا الحيوان. عضة في الطفولة تترك في الذهن كلبا مختلفا تماما عما تتركه خمس عشرة سنة من كلب أليف في البيت، والرائي يحمل إلى نومه النسخة التي تربى داخلها. وانتبه إلى السلالة إن تذكرتها، فالنوم كثيرا ما يختار كلبا بعينه صادفته فعلا لا فكرة عامة عن الكلاب.
الحيوان الذي يأتي إليك مرحبا يربط عادة بسند تعرف مصدره، وكثير من الرائين يستيقظون وهم قادرون على تسمية الشخص الذي وقف الكلب مكانه. والنباح من غير هجوم يقرأ تنبيها لا تهديدا، بمعنى أمر صاخب في حياتك يطلب انتباهك ولا تعطيه إياه. أما العضة فهي الصورة التي تدفع الناس إلى البحث عن تفسير، وتربط في الغالب إما بخذلان قريب وإما بتأنيب داخلي على عهد لم توفه. ومجيء الكلاب في جماعة يقلب القراءة مرة أخرى، لأن الخوف هنا معلق بالعدد لا بحيوان بعينه.
نسختان شائعتان لا يحضر فيهما الكلب أصلا. البحث عن كلب لا تجده يوضع مع أحلام البحث عموما ويقرأ شيئا تحاول استعادته، لا كلاما عن الحيوان نفسه. ورؤية كلب كان لك ثم فقدته منتشرة بين كل من ودع حيوانا أليفا، وهي لا تحتاج فك رموز أصلا: تشبه ما يرويه المفجوعون عن آبائهم وأصدقائهم القدامى، ودلالتها في الغالب أن أثر الفقد ما زال محمولا.
والأنفع من ملاحقة المعنى في الكتب أن تسأل من الذي تعتمد عليه هذه الأيام، ومن الذي شعرت أخيرا أنه غير مأمون، وهل مر في أسبوعك ما يذكر بكلب: جار جديد، أو صوت نباح خلف نافذة في ليل هادئ.


