منظر تختلف عليه المصادر علنا: خواء وعطش عند بعضها، وخلوة يقصدها الإنسان عمدا عند بعضها الآخر، والفارق في إحساس الحلم.
قبل أي كلام عن الرموز، يحسن الاعتراف بأن كثيرا من قراء هذه الصفحة يرون الرمل يوميا ولا يرونه غيابا، وهذا وحده يقلب التفسير رأسا على عقب. فالمعاجم المنقولة عن لغات أخرى تحمل لهذا المنظر خطين لم يتصالحا يوما: خط يجعله خواء وعطشا وانقطاعا عما يسندك، وخط أقدم يجعله المكان الذي قصده الناس عمدا ليخففوا حياتهم ويسمعوا أنفسهم. وبقي الخطان لأن كليهما يطابق إحساس الحلم عند رائين مختلفين.
من عبر الصحراء فعلا يصف الحلم غالبا بأنه واسع ونظيف، ومن يعرفها من الشاشة وحدها يصف المنظر نفسه بأنه معاد وموحش. التقليد يعطي نقطة بداية، وموضع قدمك أنت في ذلك المكان هو ما يقرر أي النسختين المتناقضتين تخصك.
وفي المادة العربية القديمة حضور واسع لهذا المنظر، لكنه يحضر بوصفه مكانا يعبر لا مكانا يخاف، وهو فارق يستحق أن يذكر حين تقرأ معجما منقولا عن لغة أخرى. فالقراءة التي تصف الرمل خواء نشأت في مكان لا رمل فيه، وقراءة العبور نشأت حيث الرمل طريق يسلك. ولا واحدة منهما أصح من الأخرى، لكن معرفة من كتبها تعينك على معرفة أيهما يخاطبك أنت.
الصحراء حارة جافة، وكذلك غرفة نوم في ليلة صيف بلا هواء يتحرك. جفاف الفم، وأنف مسدود، وسهرة طويلة بلا ماء، وغرفة مغلقة، كلها تظهر في النوم على هيئة منظر، لأن الذهن يبني المشهد حول ما يبلغه الجسد. وقبل الصعود إلى الطبقة الرمزية يستحق السؤال أن يطرح: هل استيقظت وأنت تريد كوب ماء؟ هذا الجواب وحده يفسر حصة كبيرة من هذه الأحلام.


