يصف الرائي الطريق والطقس ومن كان معه، ثم يصمت عند سؤال الوجهة. وهذا الفراغ نفسه هو مادة التفسير في هذا الباب.
تكثر أحلام السفر في أوقات معروفة: أسابيع الانتقال إلى بيت جديد، أو بداية عمل، أو نهاية علاقة، أو موسم امتحانات ينتهي وتبدأ بعده مرحلة أخرى. والتوقيت ليس صدفة، وليس نبوءة أيضا. التراث يقرأ السفر مرحلة عمر جارية، ولهذا يعود الطريق في الذاكرة بتفاصيله بينما تغيب الوجهة تماما.
اسأل أي شخص عن حلم سفر فسيصف لك الطريق والطقس ومن كان معه في المركبة، ثم يصمت حين تسأله إلى أين. وهذا الفراغ هو مادة التفسير نفسها. حال الرحلة هو ما يقرأ: الوقوف الطويل، والمنعطف الخاطئ، والمركبة التي ترفض أن تعمل، وكلها تجمع في باب واحد يفهم ضيقا من الإيقاع لا من الاتجاه، أي الفرق بين ألا تعرف إلى أين تذهب وأن تعرف تماما ثم تعجز عن الوصول. ونوع المركبة يغير نبرة القراءة: قطار له سكة واحدة، وسيارة تقودها بنفسك، وحافلة يقودها غيرك، وثلاثتها تروى بمعان مختلفة.
من يسافر معك أول سؤال. الطريق المشترك يقرأ مرحلة لا تمر بها وحدك، أما مركبة مليئة بوجوه لا تعرفها فتوحي بمرحلة لا يفهمها من حولك تماما. والحمل الزائد هنا يقرأ على الرحلة لا على الحقيبة: ما جررته معك إلى المرحلة الجديدة ولم يعد يلزمك فيها، والخروج بلا شيء يحتمل الحرية ويحتمل قلة الاستعداد، والفيصل بينهما شعور الحلم وقتها. والسفر مع شخص تعرفه جيدا يقرأ على العلاقة نفسها: من كان يقود، ومن كان يقرأ الطريق.
إعادة السير في طريق قديم، أو أن تجد نفسك في شارع من مرحلة سبقت، من أكثر ما يروى في هذا الباب. قرأته المصادر القديمة أمرا لم يكتمل مع حقبة، لا رغبة في العودة إليها. وكثيرون يستيقظون من هذه النسخة وفي نفوسهم إحساس بمكان أكثر منه بإنسان.
ولا يحلم الناس بالطريق على نحو واحد. من غادر بلده مرة ولم يعد لا يرى الرحيل كما يراه مسافر نهاية أسبوع. الهجرة والغربة والتنقل اليومي الطويل وسنوات قضيت على الطرق تترك كل واحدة أثرها، ولهذا يقرأ كل إنسان طريقه من داخل سيرته أولا.


