من أوسع المنامات انتشارا بين الناس، ويقع غالبا في مكان تعرفه جيدا بعد أن تبدل حتى صار كل شارع فيه يخيب ظنك.
الشارع الذي كنت تعرفه لا يوصل إلى حيث ينبغي. هذه التفصيلة تتكرر في أغلب ما يروى هنا: المكان ليس بلدا غريبا بل مدينة نشأت فيها أو عملا قديما، تغير قليلا حتى صار الالتفات فيه بلا فائدة. وكثيرا ما يكون الرائي في طريقه إلى موعد يعرف أهميته ولا يعرف مكانه. والقراءة المعتادة تجعل الضياع سؤال اتجاه لا سؤال جغرافيا: قرار ما زال مفتوحا، أو طريق كان يعمل وتوقف، أو أسابيع لا تعرف فيها الخطوة التالية.
تتجمع هذه الرؤيا حول التغير. انتقال إلى بيت جديد، أو الشهر الأول في عمل، أو نهاية علاقة طويلة، أو دراسة انتهت، أو بلد استبدل ببلد. وتكثر كذلك في مواسم الامتحانات وقبل السفر بأيام، حين تتزاحم المواعيد في الرأس. وتأتي بعد سفر مرهق، ومن قضى مساء حقيقيا يدور في مدينة لا يعرفها وبطارية هاتفه على وشك النفاد يعرف من أين جاءت المادة.
والنسخ التالية تتشابه في هيكلها وتختلف في التفصيلة التي تعلق في الذاكرة.
وعلاقتك بألا تعرف أين أنت هي التي ترجح في النهاية. فمن اعتاد قراءة الخرائط في عمله، أو مشى في جبل وحده، يستقبل الموقف مسألة لها قواعد يعرفها ويشتغل بها، ومن لم يكن له حس اتجاه أصلا يمر بالمشهد مرورا ولا يقف عنده. لا خطأ في أي من الردين، وكلاهما أنفع من معنى ثابت جاهز. والمهم أنها لا تخبر بضياع قادم، وإنما تصف حاضرا لم تتضح معالمه بعد.


