حروف تتبدل وقلم بلا أثر هما أشهر الروايات، وفعل الكتابة نفسه يُقرأ رغبة في أن يُفهم شيء أو يُسجل ويبقى.
ورقة أمامك بخط تعرفه، ثم ترفع عينك وتعيدها فإذا الحروف قد تبادلت أماكنها. عند هذه اللحظة بالذات يتوقف أكثر من يروي هذا الحلم، ومعها يأتي سؤاله الدائم عن سبب عجزه عن قراءة ما كتبه للتو. أما فعل الكتابة نفسه فيُقرأ في التقليد تعبيراً، وأدق من ذلك: رغبة في أن يُسجل شيء أو يُفهم أو يثبت بما يكفي لينجو من النسيان.
يتسع التفسير حين يكون للنص مضمون. الكتابة إلى شخص بعينه تُقرأ كلاماً بقي دون أن يُقال له. ووضع التوقيع على ورقة يُقرأ التزاماً، وروايته القلقة، أي التوقيع دون قراءة حرف واحد، تُقرأ موافقة سُلمت أسرع مما ينبغي. والكتابة التي تُمزق أو تُمحى فور ظهورها تُقرأ محاولة تعبير لا يثق صاحبها بعد بأحد فيها. والكتابة على جدار أو رمل أو زجاج مغبر تُقرأ بحسب بقاء الأثر: ما يمحوه أول مطر ليس ككلام حُفر ليبقى.
وللصفحة غير المقروءة تفسير بسيط لا يحتاج رمزاً. القراءة في الحلم غير مستقرة عند أكثر الناس: الكلمات ترفض حفظ شكلها، وتتغير عند النظرة الثانية، وتتحول إلى ما لا معنى له عند التدقيق. وهذا ثابت إلى حد أن من يتدربون على الحلم الواعي يستعملون النص المكتوب اختباراً متعمداً ليعرفوا أنهم نائمون. فإن تمرد خطك في المنام فأنت تصف أمراً يصفه عدد هائل من الحالمين، ولا فائدة من البحث عن رسالة خاصة داخل خاصية يشترك فيها الجميع تقريباً.
وقد يكون الباعث أقرب مما تظن: امتحان تحريري ينتظرك، أو أوراق رسمية بقيت على الطاولة أسبوعاً تنتظر توقيعك، أو رسالة كتبتها ثم حذفتها قبل النوم بقليل.
من يعمل بالكلمات فليطرح معظم ما سبق جانباً. طالب غارق في رسالته، أو موظف يملأ الاستمارات طول النهار، أو من يكتب مسودة طويلة لا تنتهي: الحلم عنده استمرار ليوم العمل لا رمز وصل من بعيد، تماماً كما يحلم الناس بالمناوبة التي خرجوا منها قبل ساعات. وهنا يكون سؤال التفسير أقل نفعاً من سؤال الراحة.


