باب يقرأ فيه المعبرون معنى الاستمرار وحفظ البيت وحكاياته، ثم ما يقال عن النصيحة التي تسمع في المنام ولا تطاع.
كثيرون يستيقظون وفي أذنهم جملة قالتها الجدة، لا مشهد ولا حادثة. ومع الجملة يأتي بيت كامل: الغرفة، رائحة الطبخ، كرسي بعينه، ملمس اليدين، وكل ذلك أوضح في الذاكرة من ملامح الوجه. والقراءة الموروثة تتبع هذا المشهد نفسه، فتجعل الجدة رمز الاستمرار وحفظ البيت وحكاياته، ورمز عناية تأتي دون أن يطلبها أحد.
عدد كبير من الرائين يقول إنه سمع شيئا. تنبيها، أو طلبا، أو سؤالا لم يجد له جوابا. التراث الشعبي يعامل هذا الكلام على أنه نصح ينتقل بين الأجيال، بينما تعامله القراءة المعاصرة على أنه الرائي نفسه يتكلم بصوت هو مستعد لسماعه. وعلى الوجهين يستحق الكلام تفكيرا في ذاته، وهذا أسلم بكثير من الطاعة له لمجرد أنه جاء في المنام.
ربطت الكتب القديمة هذه الصورة بالبيت لأن البيوت التي كتبت فيها كانت مرتبة على ذلك النحو، لا لأمر لازم في الجدات أنفسهن. من الأنصف قراءة ذلك بوصفه تاريخا لا قاعدة. فكثير من الرائين تحضرهم جدة أدارت تجارة، أو زرعت أرضا، أو سافرت وحدها إلى بلد بعيد، أو أمسكت عائلة في سنوات حرب، وصورة المنام تحمل هذه السيرة لا صورة نمطية عامة.
المرأة التي في منامك ليست النموذج المكتوب في الكتب. من ربته جدته يجد أما في ذلك الكرسي لا جدة. ومن كانت جدته قاسية، أو لم يرها قط، يجد في المكان غيابا جالسا، والغياب يقرأ قراءة أخرى تماما. وثمة وجه ثالث قلما تذكره القوائم: أن ترى جدة لم تعرفها إلا في صورة قديمة وفي حكايات سمعتها، فتأتي في المنام مركبة من كلام الآخرين لا من ذكرى مباشرة، ونبرتها حينئذ نبرة العائلة كلها لا نبرة امرأة بعينها. خذ تاريخك أولا واجعل المعاني العامة ثانيا.
ويبقى التفسير الأبسط قائما قبل هذا كله. صورة قديمة ظهرت في هاتف أحدهم، زيارة عائلية قبل العيد بأيام، طبق أعيد طبخه بعد سنوات، نقل بيت فتحت فيه صناديق مغلقة منذ زمن. كل ذلك يكفي وحده لإحضار الوجه في الليلة التالية.


