حضورها أو غيابها يغير القراءة أكثر من أي تفصيل آخر، ولا تصلح فيها قراءة عامة قبل السؤال عن هذه العلاقة بعينها.
يعامل التقليد التفسيري صورة الأم على أنها صورة العناية نفسها: العناية التي تلقيتها يوما والعناية التي تقدمها اليوم لغيرك، لا رسالة من الشخص الحقيقي ولا خبرا عنه. ولهذا يخرج أكثر الناس من هذا الحلم بلا حبكة يروونها، وإنما بحال باقية: دفء، أو توتر، أو راحة، أو ذلك الإحساس الغريب بأنك عدت طفلا في تلك الغرفة.
وأول سؤال يطرح هنا: هل هي على قيد الحياة أم رحلت؟ هذا الفرق يغير القراءة أكثر من غيره. فإن كانت على قيد الحياة فهم المنام عادة في ضوء العلاقة القائمة الآن، براحتها واحتكاكها معا. وإن كانت قد رحلت فالحلم شائع جدا في أيام الفقد، ويصفه كثيرون بأنه أرحم ما في تلك الأيام. ومن يدرسون الحزن يسجلون هذه الأحلام كثيرا ويعدونها ملمحا عاديا من ملامح الفقد. لا دعوى هنا في طبيعتها، لا نفيا ولا إثباتا، لكن العزاء الذي يجده الناس فيها حقيقي ويستحق الاحترام.
ويتكرر في الروايتين مشهد البيت القديم: مطبخ، أو باب غرفة، أو صوت ينادي اسمك من الداخل. لا يقرأ المفسرون هذه التفاصيل رموزا مستقلة، بل يعدونها المكان الذي تسكنه العلاقة في ذاكرتك، والذي يعود إليه النوم كلما عاد إليها.
لا شيء في هذا المعجم يتكئ على صاحبه كما تتكئ هذه الصورة. هي عند واحد الأمان كله، وعند ثان مصدر صعوبة كلفته سنوات من العمل على نفسه، وعند ثالث تبنى أو ابتعد أو فقد مبكرا قد تكون مركبة من شخص آخر تماما. وأي قراءة عامة عليها أن تتنحى أمام ما يعنيه هذا الشخص، في هذه الحياة، لهذا النائم. فالمعنى هنا لا يخرج من قائمة رموز، بل من تاريخ طويل بين اثنين.
وتنبيه أخير. المنام لا يقول شيئا عن صحة أحد ولا عن ظروفه، ولا يصح أن يعامل خبرا عنه، ولا سببا لقرار يخصه، ولا مبررا لمكالمة تعتذر فيها عن شيء لم يقع.


