لا تبقى الحكاية في الذاكرة بعد الاستيقاظ، يبقى الشعور وحده، وقد يظل معلقا فوق يوم كامل بطوله يلون كل ما يقع فيه.
تلتقي به في اليوم التالي فيصيبك حرج صغير لا سبب ظاهر له، كأن شيئا وقع بينكما بالأمس وهو لم يقع إلا في نومك. وهذا الحرج أدل على طبيعة الرؤيا من أحداثها نفسها: الأحداث تتبخر مع الصباح ويبقى الشعور وحده، حادا أحيانا إلى درجة يلون بها يوما كاملا. والقراءة الموروثة تقول إن الرؤيا تدور حول الرغبة والأمل لا حول الشخص نفسه، وإن هذا الشخص لباس يرتديه شوقك أنت.
لا يوجد تراث تفسيري جاد يقول إن رؤيتك لشخص تعني أنه يراك، والفكرة لطيفة لكنها بلا سند في أي مصدر يستحق الاستشهاد. الرؤيا لك وحدك ومصنوعة من مادتك أنت. وما يمثله ذلك الشخص عندك، وقد يكون ثقة أو أمانا أو حياة تتخيلها أو مجرد جدة وطرافة، هو موضع المعنى، وسيختلف تماما عما يمثله لمن يعرفه من الناس. والسؤال الأجدى بعد الاستيقاظ ليس ماذا تعني الرؤيا، بل ما الذي تشتهيه في حياتك ولبس وجهه هذه الليلة.
ليس في ظهوره لغز يذكر. من يشغل تفكيرك قبل النوم هو أقرب الناس إلى الظهور في منامك، والإعجاب يحتل من هذه المساحة نصيبا كبيرا بحكم طبيعته. المفسرون يسلمون بهذا وينتقلون إلى سؤال آخر: كيف عاملتك الرؤيا؟ الدفء والسهولة يوصلان إلى معنى الرجاء، والتجاهل أو الرفض يقرأ شكا منك في نفسك، لا خبرا عن مشاعر الطرف الآخر. ويلاحظ المفسرون كذلك مكان الرؤيا، بيتا كان أو صفا أو مكان عمل، لأن المكان يدل على الموضع الذي يشغله هذا الشخص في يومك.
وهذه أكثر ما يتكرر في ما يروى، وكل واحدة منها تقرأ على حدة.
والصورة الواحدة لا تقع على اثنين وقعا واحدا: من يراه كل يوم يقرأ رؤياه على ضوء لقاء الأمس، ومن لم يره منذ شهور يقرأها على ضوء غيابه.


