أقرب في المجاميع القديمة إلى إقرار بصلة منه إلى إفصاح عن ميل، ولهذا يتبدل الجواب كله بتبدل من كان أمامك في المشهد.
في المجالس التي تروى فيها الأحلام تأتي القبلة مصحوبة بارتباك صغير، وكأن معناها محسوم سلفا. القراءة القديمة تذهب في اتجاه آخر: القبلة عندها ختم يوضع على أمر لا رغبة تعلن. عهد يعقد، خصومة تطوى، صلة يعترف بها. وقد تقرأ في حالات مجاملة لا صدق فيها إذا جاءت ممن لا يثق به الرائي. الميل موجود في القائمة، لكنه سطر فيها لا القائمة كلها.
قبلة ترفض، أو تقطع، أو يستحيل إتمامها لسبب سخيف، تلحق بأحلام العرقلة لا بالأحلام العاطفية. ومثلها الرواية التي يبقى فيها الطرف الآخر بلا تأثر. يقرأ هذا صورة تواصل حاول ولم يصل، وقد يخص صداقة أو عملا بقدر ما يخص علاقة. ويقرن المفسرون بهذه الرواية قبلة تقع أمام الناس فتحرج الرائي، فالحرج فيها هو المادة لا القبلة، ويوصل بموقف ظاهر تخشى أن يفسر على غير وجهه.
وللصورة مصدر يومي مباشر. فيلم شوهد قبل النوم، مشهد تكرر في مسلسل، خصام لم يعالج مع قريب، أو سفر طال حتى صار العناق ذكرى: كلها مادة يعيد النوم تركيبها بلا رسالة. وفي مواسم الأعراس والزيارات العائلية تكثر هذه الصور عند من يحضرها.
وإلى هوية الطرف الآخر يذهب المفسرون قبل كل تفصيل، وعندها يرق المعنى العام أسرع ما يكون. تقبيل الزوج أو الزوجة يقاس على حال العلاقة نفسها ولا يعد لافتا. أما تقبيل صديق أو زميل أو شخص لم يخطر لك يوما، وهو الشكل الذي يقلق الناس، فالقراءة المعتادة له لا تتعلق بميل مخفي: يؤخذ الطرف الآخر ممثلا لصفة كنت تتعامل معها فيه، والقرب طريقة المنام الفجة في القول إنك أخذت منها شيئا. وتقبيل غريب لا يتضح وجهه يفهم على أنه شيء جديد لا شخص جديد.
القبلة تحمل ما تحمله عندك أصلا، وهذا يتفاوت بين الناس وبين المجتمعات تفاوتا كبيرا: عند بعضهم تحية عادية عند اللقاء، وعند غيرهم مساحة لا تفتح إلا نادرا. من اعتادها كل صباح لا يقرأ الصورة كما يقرؤها من يضن بها. ومن هنا يبدأ الجواب: من إحساسك أنت بالإشارة، ثم مما قد يضيفه التراث بعدها.


