بقعة طبيعة صنعها أحدهم، ولهذا تقرأ حالها قبل محتواها: هل هي متروكة لنفسها أم متعهدة بعناية ما زالت مستمرة.
رائحة تراب سقي للتو قبل مغيب الشمس، وممر ضيق بين حوضين. هكذا يبدأ وصف أغلب من يروون هذا الحلم، بتفصيل حسي صغير لا بمشهد عام. وما يفرق هذا المكان عن سائر مناظر المعجم أن وراءه يدا: أحدهم حفر وغرس وسقى، وبغير ذلك لا تكون حديقة أصلا. لذلك تقرأ حالها قبل ما فيها، فالمكان المتعهد يؤخذ صورة لشيء في حياتك ما زال ينال انتباها، والمكان المتروك صورة لشيء طال إهماله أكثر مما نويت. والمجموعات القديمة تعامل هذه الصورة بدفء، لأن الحديقة في التقاليد الزراعية عنت طعاما وظلا وبيتا منتظم الحال.
الحد يزن أحيانا بقدر ما يزن الغرس. الأسيجة العالية والبوابة المقفلة والجدار الذي لا مدخل ظاهر له ارتبطت طويلا بالخصوصية، بجزء من الحياة يبقى معزولا عن بقيته عن قصد. والتجول في حديقة تخص غيرك، وأنت غير واثق أن لك حق الدخول، ينقل القراءة نحو الإذن لا نحو النمو. وتسلم مفتاحها، في الكتب القديمة، يغلق تلك المسافة.
يسأل المفسرون عن هيئة المكان قبل أن يسألوا عما كان ينبت فيه. عشب مقصوص وأحواض مرتبة وثمر ما زال على غصنه تنتمي إلى عائلة قراءات، والشوك الذي سد الممر ينتمي إلى عائلة أخرى، ولا واحدة منهما تصلح إدانة للنائم. والأعشاب البرية لا خجل فيها بذاتها، وكثير من الرائين يصفون حديقة متوحشة بارتياح، والقراء المعنيون بهذه الصورة يأخذون الارتياح إشارة أوثق. أما الأرض العارية في الشتاء فتفهم توقفا لا فشلا.
لأغلب أحلام الحدائق أصل قريب لا رمزي. من يزرع يحلم بما يزرع باستمرار، كما يحلم الطاهي بمطبخه، وعند هؤلاء ترق الرمزية حتى تكاد تختفي. فصل يتبدل، وانتقال إلى شقة بلا مساحة خارجية، وقطعة أرض ورثت عن قريب، كل ذلك يضع حديقة في النوم دون أن يحمل رسالة. واسأل أولا ماذا كان المكان يعني لك، فحديقة طفولة كنت سعيدا فيها وحديقة أرسلت إليها لتنقي عشبها عقابا تنتجان حلمين مختلفين من صورة واحدة. والفرق كله في الذاكرة لا في المنظر.


