ما الذي يبقى من هذا الحلم بعد الاستيقاظ؟ ساقان لا تتحركان وقلب يخفق، ولكليهما تفسير جسدي بسيط لا رمز فيه.
أكثر ما يبقى من هذا الحلم بعد الاستيقاظ ليس وجه المطارد بل ساقان لا تتحركان كما ينبغي، وقلب يخفق بعنف. ولكليهما تفسير مباشر لا رمز فيه: الجسد النائم شبه معطل عن الحركة في أثناء الحلم الحي، فلا يجد جهد الجري ما يدفع عليه، والخفقان عند الاستيقاظ أمر فسيولوجي معتاد. والصوت المحبوس في الحلق ينتمي إلى العائلة نفسها. ومعرفة ذلك تنزع بعض الرهبة عن أكثر الأحلام ورودا في كل بلد جمعت فيه الأحلام.
يحمل المطارد من المعنى أكثر مما يحمله الجري. شكل بلا وجه، حيوان، شريك سابق، جمهور، حضور لا يرى: كلها تقرأ قراءات مختلفة، والتعرف على الملاحق يؤدي وحده أكثر العمل. والمسافة تفصيل يسأل عنه المفسرون، فمن طورد عن قرب يصف الحلم بأنه أشد إلحاحا ممن رأى ملاحقا بعيدا يقترب ببطء. وحين يستدير النائم ويواجه، يعد أغلب المفسرين تلك اللحظة موضع الحلم مهما جرى بعدها. ويسأل المفسر أيضا عن المكان، فمطاردة في بيت تعرفه ليست مطاردة في شارع لم تره من قبل.
يلاحظ النائمون التوقيت بأنفسهم بمجرد التنبيه إليه: يتجمع الحلم حول الأيام التي أجل فيها شيء، لا حول الأيام التي وقع فيها سوء. ولهذا كانت النصيحة المرافقة لهذه الصورة أن ينظر المرء في ما يرفض الالتفات إليه، ولهذا يروي كثيرون أن الحلم توقف بعد أن أنهوا ما كانوا يؤجلونه، ويلاحظ بعضهم أنه يخف كلما اقترب موعد المواجهة وإن لم تقع بعد. وليس في المشهد إخبار بما سيقع، والمطارد ليس شخصا قادما إليك في اليقظة.
يخلط كثيرون بين ثلاث صور متجاورة. المطاردة تحددها قوة تلاحق من الخلف والنائم لا يختار. والهرب يتحدد بقرار الابتعاد نفسه، وقد لا يكون خلف صاحبه أحد أصلا. والجري وحده، بلا ملاحق ولا مهرب، أقرب إلى صورة الجهد والسباق مع الوقت. اسأل أيها كان قبل أن تفتش عن معنى، فالثلاثة تقرأ قراءات متباعدة.


