مرحلة لا يرى فيها المرء أبعد مما يكفي ليختار. ما الذي يسأل عنه المفسر هنا، ومتى تكون الصورة من الطقس لا من المعنى.
خلافا للمطاردة أو التأخر عن موعد، نادرا ما يوقظ الضباب أحدا من نومه. يصفه النائمون بأنه مكتوم بطيء، وهو لا يضيف إلى المشهد شيئا بل يحذف منه: يختصر الحلم إلى بضعة أمتار حولك. ومن هنا جاءت قراءته المتوارثة، لا بوصفه خطرا بل بوصفه غيابا للمعلومة، فترة سكتت فيها العلامات التي كان المرء يهتدي بها من قبل.
التفصيل الذي يستحق الاسترجاع هو هل كان في الضباب شيء. أشكال تتحول إلى أشخاص، بناء تعرفه نصف معرفة، صوت بلا مصدر: كل واحد منها يرسل التأويل في جهة. وضباب لا يخفي شيئا يقرأ عادة على حيرة من مرحلة كاملة لا من أمر بعينه فيها. وضباب يخفي مكانا تعرفه جيدا يعامل معاملة خاصة: مألوف صار غريبا، وهو شعور يصفه من غير مكان سكنه أو عمله حديثا. وفقدان شخص آخر داخله يروى كثيرا، ويأخذه التراث على أنه مسافة تتسع بينكما لا حادث يقع له.
لا عما رأيته. المضي في الضباب يقرأ على متابعة الطريق دون يقين، وتعده المصادر القديمة الرواية الأشجع. والوقوف انتظارا لانقشاعه يقرأ على قرار أجل عمدا، ويصف كثيرون في هذه الحال هدوءا غريبا لا خوفا. والعودة من حيث أتيت رواية ثالثة، تقرأ على تراجع محسوب لا على جبن. أما قيادة سيارة داخل الضباب فتلتحق بصور الطريق، وتضيف سؤال السرعة إلى سؤال المدى.
هذه النبرة المكتومة جزء من سبب ورود الحلم بعد انتظارات طويلة غامضة: نتيجة معلقة، قرار عند غيرك، طلب ما زال مفتوحا. ومن يعيش في مدينة ساحلية يكون فيها الضباب طقسا عاديا في الفجر فقد تكون الصورة دخلت عليه من النافذة لا من المعنى، وما يشعر به تجاهه في الخارج يصوغ الحلم أكثر من أي مدخل في كتاب. ويصف بعضهم ضبابا يغطي الطريق أمامه ويترك ما خلفه واضحا تماما، وهي رواية تقرأ على انشغال بما مضى أكثر من انشغال بما هو آت. وهذه رؤيا توصف بها حال ولا يخبر بها عن قادم.


