ما يبقى في الذاكرة من حلم الزحام هو الاتجاه لا العدد: هل مضيت مع الناس أم علقت في وسطهم بلا حركة؟
ليس العدد هو ما يبقى في الذاكرة بعد هذا الحلم، بل الاتجاه. هل مضيت مع الناس، أم دفعت في طريق ما اخترته، أم وقفت في مكانك بينما يمر الجميع من حولك؟ على هذا السؤال وحده يدور أغلب ما قيل في تفسير الزحام، إذ قرئ منذ القدم على أنه علاقتك بالجماعة لا علاقتك بأي فرد داخلها.
السير مع الحشد دون مقاومة يفسر انتماء، وأحيانا ملاحظة على النفس بشأن سهولة الانسياق. أما العجز عن الحركة أو الاندفاع في اتجاه لم يكن من قرارك فيربط بالتزامات لم تعد اختيارية. والبحث عن وجه واحد بعينه من الصور الشائعة جدا، وتقرأ حاجة إلى شيء محدد في موقف يمنحك كل شيء إلا هو. والوقوف على الطرف مراقبا يقرأ انفصالا، والتراث لا يعده جيدا ولا سيئا في ذاته. ومن الصور المتكررة أيضا دخول جمع يعرف بعضه بعضا ولا يعرفك أحد فيه، وتقرأ إحساسا بالوجود على الهامش لا بالإقصاء.
الفروق بين الناس هنا أكبر من الرمز نفسه. من يجد راحته في ملعب ممتلئ ومن يضطر إلى مغادرة سوق مزدحم بعد عشر دقائق قد يرويان الحلم ذاته بالكلمات ذاتها وهما يصفان تجربتين مختلفتين. ثم إن الحياة القريبة تكفي وحدها في أحيان كثيرة: أسواق ما قبل العيد، ومحطات الصباح، وحفل زفاف، وموسم امتحانات، وأول أسبوع في مدرسة جديدة. كل هذه تنتج أحلام زحام لا تحتاج إلى تأويل.
ما يفعله الحشد يغير القراءة أكثر مما يغيرها حجمه. جمع يتجاهلك تماما يرتبط بالشعور بأن أحدا لا يراك ولا يعترف بوجودك. وجمع يستدير فينظر إليك يدخل في عائلة أحلام الانكشاف، مع صور الوقوف غير مستعد أمام الناس. أما الحشد الصامت فصورة غريبة تتكرر أكثر مما يتوقع، وتفسر عادة بجمهور يتعذر عليك قراءة رأيه فيك. ويهتم المفسرون كذلك بالوجوه: حشد بلا ملامح واضحة يقرأ غير حشد فيه أشخاص معروفون لك بأسمائهم.
وما في هذه الصفحة تقليد في القراءة يعرض كما هو، لا تنبؤ بقادم الأيام. والأنفع سؤال نفسك عن موضع وقوفك في الصورة وعما شعرت به وأنت فيها.