مكان محمل بتاريخ شخصي أكثر من سواه: إجازة بعينها أو طفولة أو شخص، وهذا أول ما يشتغل عليه النوم قبل أي رمز موروث.
في ذروة الصيف يكون الشاطئ أكثر الأماكن ازدحاما، وفي المنام يأتي خاليا في أكثر الروايات. الشاطئ حد: شريط ضيق تلتقي فيه الأرض الصلبة بالماء المفتوح، وعلى هذا الحد بنيت أكثر قراءاته. يوضع النائم بين أرض يعرفها وماء لا يعرف مداه، ولهذا تكثر الصورة في الأسابيع التي تسبق قرارا أو انتقالا أو نهاية شيء طال.
بحر هادئ وشاطئ فارغ يقرأ راحة، ويرويه غالبا من يفتقدها فعلا في أيامه. وشاطئ يعج بالغرباء يقرأ عتبة خاصة صارت مشاعة لمن لا شأن لهم بها. ومد يزحف على أغراضك المتروكة على الرمل يفهم ضيق وقت لا تهديدا. وشاطئ ليلي يعد في المادة القديمة أكثر صور المكان انطواء على صاحبها، وشاطئ في الشتاء خال إلا من الريح يروى بمعنى غير معنى شاطئ الصيف نفسه.
تسأل كتب المنام التي تعنى بالتفصيل عن اتجاه النظر. النظر إلى البحر يقرأ انشغالا بما لم يقع بعد، والنظر إلى اليابسة انشغالا بما تتركه خلفك. أما المشي على الخط موازيا للماء دون دخول ولا ابتعاد، وهو أكثر ما يروى من صور المكان، فيفهمه المفسرون فترة انتظار: قرار لم ينضج، وصاحبه يعرف أنه لم ينضج.
ويفرق التقليد بين الشاطئ والبحر نفسه: البحر مادة الحلم وسعته وعمقه، والشاطئ حده الذي تقف عليه. ولهذا يقرأ الأول في باب ما يتسع ولا يحاط به، ويقرأ الثاني في باب الاختيار والانتظار. ومن رأى نفسه يمشي حافيا على الرمل، أو يترك أثر قدم يمحوه الماء بعد خطوتين، فهو في صلب معنى الحد نفسه: ما يبقى وما لا يبقى.
والشواطئ محملة بتاريخ شخصي أكثر من أكثر صور المنام، لأن الناس يعلقون بها إجازة بعينها أو طفولة أو شخصا. من نشأ على الساحل فالشاطئ عنده أرض عادية يمر بها كل يوم، ومن رأى البحر أول مرة في الثلاثين يحمل عنه شحنة لا يصنعها كتاب تفسير. وحيث تتعلق ذكرى حقيقية بالصورة فالمنام يشتغل عليها هي، وقراءتها فألا عاما تضيع أنفع ما فيها.


