الطائر نفسه رمز للحكمة في تقليد ورمز للنذير في تقليد آخر، ومعرفة أي القراءتين ورثت أهم من أي تفسير جاهز.
كلمة بومة في الكلام اليومي عند العرب تكاد تكون وصفا لمن يتوقع السوء ويجلب الهم، وفي الوقت نفسه ترتفع صورة الطائر ذاته على شعارات المدارس والمكتبات في أوروبا رمزا للعلم واليقظة. الطائر واحد والقراءتان متعاكستان تماما، وكلتاهما قديمة وراسخة، وليست إحداهما الجواب الصحيح والأخرى خطأ.
إذا نحيت الطبقة الثقافية جانبا بقي معنى واحد يجمع الروايات: النظر. البومة تراقب، وأحلامها تدور غالبا حول أن تنظر أنت أو ينظر إليك. والصورة التي تتكرر أكثر من غيرها أن تقف ساكنة وتنظر إلى الحالم مباشرة، وتقرأ انتباها: انتباهك أنت إلى أمر تتجنب فحصه، أو انتباه شخص آخر إليك. والبومة وهي تحلق تقرأ حركة تجري في صمت. أما سماع صوتها دون رؤيتها فيدخل في باب الفأل عند الجماعات التي تحفظ ذلك، ولا يشعر به من نشأ خارجها.
ويعود الانقسام نفسه إلى عادات الطائر. تطير بلا صوت، وتنشط في الليل، وتنظر إلى الأمام بعينين في مستوى واحد كما ينظر الإنسان، ثم تدير رأسها دورة لا يقدر عليها غيرها. هذه الصفات نفسها قرئت في مكان بصيرة نافذة وفي مكان آخر نذيرا يأتي من حيث لا يحب أحد. والمفسرون الذين يعملون عبر ثقافات متعددة يفضلون إبقاء الانقسام ظاهرا، لأن توحيد المعنى يمحو المعلومة التي جعلت السؤال يستحق أن يطرح.
هنا يزن السياق الشخصي أكثر من أي معجم. من يهوى مراقبة الطيور يحلم بالبومة كما يحلم الموظف بالحافلة، ومن يسكن قرب بستان يسمع نداءها كل ليلة فلا فأل عنده يفسر. ومن تربى على تحذيرات جدته سيلقى الطائر نفسه محملا بما لا يحمله عند غيره. اعرف أيا من هؤلاء أنت أولا، فيصير التراث مفيدا بدل أن يبدو متناقضا.
ويحسن التمييز بين هذه المادة وبين رمز الشبح: البومة كائن حي له وزن ووقت وصوت معروف، وحضورها في الحلم حسي وواقعي، أما الشبح فصورة بلا جسد تقرأ في باب آخر. وما جمع هنا سجل لقراءات تراكمت حول طائر واحد، لا تنبؤ بما سيأتي.


