صورة للسماء في لحظة واحدة لا تتكرر: أين وقفت الشمس والقمر والكواكب فوق مكان ولادتك وتحته. وهنا ما ترسمه الدائرة، والمعلومات الثلاث التي يحتاجها الحساب، والترتيب الذي تقرأ به الخريطة دون أن تضيع في تفاصيلها.
خريطة الميلاد رسم يبين أين كانت الشمس والقمر والكواكب في اللحظة التي ولدت فيها، منظورًا إليها من البقعة التي ولدت فيها بالذات. ومنها تشتق كل عبارة أخرى تقال عنك في التنجيم، فهي الورقة الأصل. تسجل لحظة واحدة ثم لا تتحدث بعدها أبدًا.
والذي يجعلها خريطة لا قائمة أنها ترسم دائرة. والدائرة هي السماء كلها حول مكان ولادتك: النصف الذي كان فوق رأسك والنصف الذي كان تحت قدميك، مبسوطين على ورقة واحدة.
تخيل أنك وقفت في العراء في تلك الدقيقة ودرت حول نفسك ببطء. كل ما كان فوقك، وكل ما كان محجوبًا تحت الأرض التي تقف عليها، هو ما تسجله الدائرة. ويمر خط الأفق في وسطها فيقسمها نصفين.
الحافة التي تصعد منها الأجرام هي جهة المشرق، والحافة المقابلة هي جهة المغرب حيث تغيب. وأعلى الدائرة قريب من النقطة التي كانت فوق رأسك، ونصفها السفلي هو الجزء من السماء الذي كان في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية عندئذ: غائب عن العين، محسوب في الرسم. فالكوكب المرسوم قرب أسفل خريطتك كان تحت قدميك لا مفقودًا من الحساب.
ومن هنا تختلف خريطتان لتاريخ واحد اختلافًا شديدًا. الكواكب نفسها لا تكاد تتحرك في بضع ساعات، لكن الدائرة تدور دورة كاملة كل يوم، فتقع الكواكب ذاتها في مواضع أخرى من الرسم بحسب الساعة وحدها. مولودان في القاهرة في يوم واحد، أحدهما مع أول ضوء الفجر والآخر قبل منتصف الليل، تخرج خريطتاهما مختلفتي الشكل تمامًا وإن تشابهت قائمة الأبراج فيهما.
ولا يشترط في الرسم أن يخرج على هيئة عجلة مقسمة. بعض البرامج تعرض النتيجة جدولًا يسرد كل جرم وبرجه ودرجته، وهو أسهل في القراءة الأولى وأدق في ضبط التفاصيل، غير أنه يخفي عنك ما لا تريه إلا الدائرة: أي جهات السماء كانت مزدحمة فوق مكان ولادتك وأيها كانت خالية في تلك الدقيقة.
كل جملة تقرؤها في تفسير خريطة تتركب في العادة من ثلاثة أشياء منفصلة، ومن ميز بينها زال عنه أكثر الالتباس دفعة واحدة:
فسطر التفسير الواحد هو هذه الثلاثة مركبة: كوكب، في برج، في بيت. أي نشاط، وبأي أسلوب، وفي أي ميدان من حياتك. ومتى ألفت هذه القاعدة صار أكثر ما يكتب في هذا الباب مفهومًا عندك، بما فيه ما ستقرر أنك لا توافق عليه.
ثلاثة أشياء وليس غيرها. التاريخ يثبت موضع الشمس ويعطي موضعًا قريبًا كافيًا للكواكب البعيدة البطيئة التي يقطع بعضها البرج الواحد في سنوات. والساعة تضبط القمر لأنه سريع يبدل برجه كل يومين تقريبًا، وتضبط كذلك دوران الدائرة كلها، وهو ما يحدد البيوت والبرج الطالع. والمكان يثبت الأفق، لأن السماء نفسها تبدو مائلة على نحو آخر إذا نظرت إليها من الخرطوم بدل بيروت.
وهنا خطآن يقع فيهما كثيرون. الأول أن الساعة المطلوبة هي ساعة الحائط كما كانت تقرأ في بلد الولادة يومها، بما في ذلك التوقيت الصيفي إن كان معمولًا به تلك السنة، وقد طبقت دول عربية عدة هذا التوقيت في سنوات وألغته في سنوات أخرى. الحاسبة الجادة تتولى التحويل عنك، فلا تعدل الساعة بنفسك قبل إدخالها ولا تطرح منها شيئًا.
والثاني أن المكان هو مدينة الولادة لا المدينة التي نشأت فيها. وهو أمر بدهي حتى تملأ استمارة على عجل فتكتب مدينتك الحالية بلا تفكير، ومن ولد في مستشفى بمدينة مجاورة ثم عاد إلى بيت أهله في اليوم نفسه يقع في هذا كثيرًا.
الخريطة الكاملة تحمل عشرات المعلومات المنفصلة، ولا أحد يستوعبها مرة واحدة. وللقراءة ترتيب معقول يبدأ بالعام وينتهي بالتفصيل، ومن قلبه ضاع في الطريق.
ابدأ بالشمس والقمر والبرج الذي كان طالعًا في جهة المشرق، فهذه الثلاثة تغطي ما يدفعك، وما أنت عليه في خلوتك، وكيف تظهر أمام من لا يعرفك. ثم انظر في ميزان العناصر: كم جرمًا وقع في أبراج النار والتراب والهواء والماء، ولاحظ الناقص كما تلاحظ الغالب، فالفراغ يقول شيئًا كما يقول الازدحام.
ثم انظر في التوزيع. أجرام محتشدة في ربع واحد من الدائرة تقرأ على أنها حياة تتركز في ميادين قليلة، وأجرام موزعة على الدائرة كلها تقرأ على أنها طاقة تذهب في جهات كثيرة. ولا تنتقل إلى الزوايا بين الكواكب، وهي المسافات المقيسة بينها على محيط الدائرة وتقرأ على أنها انسجام بين جزأين من الخريطة أو تشاد بينهما، إلا بعد أن يصير الترتيب العام تلقائيًا عندك. الزوايا مفيدة فعلًا، وهي في الوقت نفسه الموضع الذي يضيع فيه المبتدئون.
ومن عاد إلى خريطته كل بضعة أشهر بسؤال واحد يشغله، ثبت عنده منها أكثر ممن حاول حفظها كلها في أسبوع. هي ليست امتحانًا يجب أن تنهيه في موعد، والملل من هذا الباب يأتي من الاستعجال لا من صعوبة المادة.
الحساب الفلكي فيها حقيقي ويقبل المراجعة. المواضع تؤخذ من الجداول نفسها التي تخدم الملاحة وحساب الكسوف والخسوف، والحاسبة المبنية جيدًا توافق المرصد إلى أجزاء من الدرجة. لا شيء غامض في القياس نفسه، ولا خلاف عليه بين من يصدق التفسير ومن يرفضه.
أما المعاني فشأن آخر. هي تقليد في التفسير تراكم على مدى قرون طويلة، وليست نتائج ثبتت بالتجربة، ولا تخبرك خريطة بما سيقع ولا بما يجب عليك أن تفعله. وفائدتها إذا أخذت على وجهها فائدة في الترتيب: تعطيك ألفاظًا تسمي بها تناقضاتك، وهي بارعة على وجه الخصوص في تسمية المسافة بين الصورة التي تصل إلى الناس والصورة التي تعرفها أنت عن نفسك. وأما هل وراء هذه الرموز شيء أبعد من ذلك، فسؤال لك أن تتركه مفتوحًا وأنت تستعمل الخريطة.


