ما الفرق بين الكسوف والخسوف؟

ما الذي يلقي الظل في كل حالة، ولماذا يمر أكثر المحاقات وأكثر الأبدار بلا شيء، ولماذا يأتي الكسوف والخسوف في أزواج متقاربة مرتين في السنة تقريبًا، وماذا علق التقليد القديم على هذه المواعيد.

الفرق بينهما في صاحب الظل. في الكسوف يقف القمر بيننا وبين الشمس فيلقي ظله على بقعة من الأرض ويحجب عنها قرص الشمس. وفي الخسوف تقف الأرض بين الشمس والقمر فيقع ظلها هي على وجه القمر ويطفئ ضوءه المنعكس. والحدثان معًا يشترطان أن تصطف الأجرام الثلاثة على خط واحد تقريبًا، وهذا شرط لا يتحقق في كل شهر.

لماذا لا يتكرر هذا كل شهر

القمر يمر بيننا وبين الشمس مرة في كل شهر، وتلك ليلة المحاق، ويقف في الجهة المقابلة لها مرة أخرى، وتلك ليلة البدر. ومع ذلك يمضي أكثرها بلا كسوف ولا خسوف. والسبب ميل بسيط: مدار القمر ليس في مستوى دوران الأرض حول الشمس، بل يميل عليه بخمس درجات وشيء. فالقمر في أغلب المحاقات يمر من فوق قرص الشمس أو من تحته لا أمامه، وفي أغلب الأبدار ينجو من مخروط ظل الأرض من أعلاه أو من أسفله.

ولهذا المستوى المائل نقطتا تقاطع مع مستوى مدار الأرض تسميان العقدتين. ولا يقع كسوف ولا خسوف إلا إذا صادف المحاق أو البدر إحدى هاتين النقطتين أو اقترب منها. والشمس تمر بكل عقدة مرتين في السنة، وهذه الفترات هي مواسم الكسوف. الموسم الواحد يمتد نحو شهر، وهو طول يكفي ليضم محاقًا وبدرًا بينهما نحو أسبوعين، ولذلك يأتيان في أزواج: كسوف وخسوف متجاوران. والفاصل بين موسم وآخر نحو 173 يومًا، وهو أقصر من نصف السنة، ومن هنا تتقدم التواريخ قليلًا كل سنة. والسنة الواحدة لا تحمل أقل من 4 وقد تصل إلى 7.

وفوق هذا الإيقاع إيقاع أطول. بعد 18 سنة و11 يومًا وثماني ساعات تقريبًا تعود الهندسة نفسها إلى وضعها فيتكرر كسوف يشبه سابقه شبهًا قريبًا، وهذه الدورة تسمى الساروس. والساعات الثماني الزائدة هي التي تنقل المشهد، لأن الأرض تكون قد أدارت نحو ثلث دورتها، فيقع التكرار فوق جهة أخرى من العالم.

حين يحجب القمر قرص الشمس

الكسوف كله قائم على مصادفة في المقاييس. قطر الشمس أكبر من قطر القمر بنحو 400 مرة، وهي أبعد عنا منه بنحو 400 مرة أيضًا، فيخرج القرصان في السماء متساويين تقريبًا في الاتساع. وهذه المصادفة مؤقتة على مقياس عمر النظام الشمسي، لأن القمر يبتعد عنا بضعة سنتيمترات في كل سنة.

ومن هنا تأتي الأنواع الثلاثة. إذا كان القمر في الجهة القريبة من مداره غطى القرص كله وكان الكسوف كليًا. وإذا كان في الجهة البعيدة بدا أصغر قليلًا من أن يغطيه فترك حوله حلقة مضيئة، وهذا هو الكسوف الحلقي. وإذا مر بعيدًا عن المركز نقص من القرص جانب واحد، وهذا الكسوف الجزئي هو ما يراه أكثر الناس. والظل التام يرسم على الأرض شريطًا ضيقًا لا يتجاوز عرضه بضع مئات من الكيلومترات، ولذلك لا تدوم مرحلة الكسوف الكلي في المكان الواحد إلا دقائق معدودة لا تبلغ ثماني دقائق بحال.

ولهذا الضيق أثر تراه كل مرة: قد تقرأ خبر كسوف كلي وأنت في تونس أو في مسقط ثم لا ترى في سمائك إلا قرصًا منقوصًا من طرفه، لأن شريط الظل التام مر بعيدًا عنك. والشمس المكسوفة تبقى شمسًا في كل الأحوال، والنظر إليها من غير مرشح مصنوع لهذه الغاية يؤذي البصر من غير أن تحس بشيء وقتها، والنظارة الشمسية والزجاج المدخن وعدسة الهاتف لا تغني عنه في شيء.

حين يقع ظل الأرض على القمر

ظل الأرض ليس قطعة واحدة. له قلب داخلي معتم يحجب ضوء الشمس كله ويسمى الظل التام، وحوله منطقة أوسع وأخف يحجب فيها بعض الضوء دون بعض وتسمى شبه الظل. فإذا دخل القمر كله في الظل التام كان الخسوف كليًا، وإذا دخل بعضه كان جزئيًا وظهرت على وجهه حافة مقوسة داكنة. وقد كان انحناء هذه الحافة من أقدم ما استدل به الناس على أن الأرض كرة. أما المرور في شبه الظل وحده فيسمى خسوفًا شبه ظلي، وهو باهت لا يكاد الناظر يلحظه.

وأشهر ما في الخسوف الكلي لونه. القمر لا يسود ولا يختفي، بل يميل إلى حمرة نحاسية، والغلاف الجوي هو المسؤول عن ذلك. ضوء الشمس الذي يمر بحافة الأرض ينحني قليلًا فيدخل إلى داخل الظل، ويفقد في طريقه الجزء الأزرق منه بالتشتت، فلا يصل إلى القمر إلا الجزء الأحمر. أنت في تلك الدقائق تنظر إلى ضوء كل شروق وكل غروب يجري على الأرض في اللحظة نفسها مجتمعًا في بقعة واحدة، ودرجة الحمرة تتبدل من مرة إلى مرة بحسب ما في الجو من غبار وسحاب.

وبين الحدثين فرق عملي كبير. الخسوف يمتد ساعات لا دقائق، ويراه في الوقت نفسه كل من كان القمر فوق أفقه، أي نحو نصف سكان الأرض دفعة واحدة، ولا يحتاج إلى مرشح ولا آلة ولا سفر. ولهذا يمر على المرء في عمره من الخسوفات أضعاف ما يمر عليه من الكسوفات الكلية.

ماذا علق التقليد على هذه المواعيد

ويحسن قبل هذا الباب تثبيت أمر واحد مرة واحدة: ما يأتي وصف لتقليد تفسيري طويل، يرتب الناس عليه ملاحظاتهم ويقرؤون به مواعيد السنة، وليس خبرًا مثبتًا عما سيقع لك أو لغيرك.

القاعدة فيه أن الكسوف محاق برفع الصوت، وأن الخسوف بدر كذلك. فمعنى البداية الذي يقرأ في المحاق يبقى على حاله في الكسوف، ومعنى بلوغ الشيء منتهاه يبقى في الخسوف، والذي يتغير هو المقياس والمفاجأة: منعطف بلا تمهيد، ونهاية تبدو بعد حين وكأنها كانت أول الطريق.

وتعود العقدتان هنا باسميهما. النقطة التي يعبر عندها القمر إلى الشمال تسمى العقدة الشمالية وتقرأ جهة نمو وتوسع، والتي تقابلها تسمى العقدة الجنوبية وتقرأ أرضًا مألوفة يوشك صاحبها أن يتركها. وبما أن النقطتين متقابلتان تمامًا، تقع الكسوفات والخسوفات في زوج من الأبراج المتقابلة وتبقى فيه نحو 18 شهرًا، فيخيل إلى من يتابعها أن سلسلة منها تضغط على باب واحد من أبواب حياته.

وكانت القراءة القديمة أشد قتامة من هذه. الكسوف كان نذيرًا يخص صاحب الملك قبل غيره، وفي سجلات بلاد الرافدين ذكر أنهم كانوا يجلسون على العرش رجلًا بديلًا حتى ينقضي الخطر عن الملك الحقيقي. وهذا خوف مفهوم حين ينطفئ ضوء النهار فجأة ولا أحد يعرف السبب، وهو دليل رديء بعد أن عرف السبب وصار الموعد يحسب مقدمًا.

كيف تقرأ جدول التواريخ

أول ما ينبغي أن تنتبه له في أي جدول أن الكسوف المذكور فيه ليس وعدًا برؤيته من مكانك. هو حدث محلي بطبعه، يمر شريطه فوق شريحة رفيعة من العالم ويبقى الباقون بين رؤية جزئية وعدم رؤية أصلًا، ولذلك يذكر الجدول الجاد منطقة الرؤية إلى جانب التوقيت. والخسوف أسخى من ذلك بكثير، لأن الليل كله على وجه الأرض يشترك في مشاهدة الحدث الواحد. وبقية ما ينفعك يجمعه ما يلي:

  • ابدأ بمنطقة الرؤية لا بالساعة. التوقيت لا يفيدك في شيء إن كان الشريط يمر فوق نصف الكرة الآخر.
  • انتبه إلى فارق التوقيت. تحويل الساعة المذكورة إلى توقيت بغداد أو الخرطوم قد ينقل الحدث إلى اليوم السابق أو اللاحق في التقويم.
  • افصل الحساب عن المعنى. مواعيد الكسوف تحسب قبل قرون وتقع بالدقيقة كما حسبت، وهذه الدقة تعود إلى حركة ثلاثة أجرام لا إلى ما يعلق عليها من تفسير.
  • سجل ما وقع عندك. اكتب التاريخ وما جرى فيه ثم ارجع إليه في الموسم التالي، فهذه أنزه طريقة تعرف بها إن كانت هذه المواعيد تعني لك شيئًا.
  • اخرج وانظر. الخسوف الكلي لا يكلفك أكثر من سهر ليلة وسماء صافية، وهو يستحق ذلك.

ويبقى ما يستحق أن تخرج به من الصفحة كلها: الظاهرة من أدق ما يحسبه الناس مقدمًا، والمعنى الملصق بها اختيار في القراءة، والخلط بينهما هو ما يجعل كلام الكسوف مضطربًا في أكثر ما يكتب عنه.

الأسئلة الشائعة

كم مرة يقع الكسوف والخسوف في السنة؟
يتجمعان في مواسم تعود كل 173 يومًا تقريبًا، أي مرتين في السنة على وجه التقريب، ويحمل الموسم الواحد عادة كسوفًا وخسوفًا بينهما نحو أسبوعين. وأقل ما تحمله السنة الميلادية 4 حوادث وأكثر ما تحمله 7 إذا حسبت معها الخسوفات شبه الظلية الباهتة. ولأن الفاصل بين موسمين أقصر من نصف السنة قليلًا، تتقدم التواريخ سنة بعد سنة ولا تعود إلى الشهر نفسه.
لماذا لا يقع كسوف في كل محاق؟
لأن مدار القمر يميل على مستوى دوران الأرض حول الشمس بخمس درجات وشيء. فالقمر في أغلب المحاقات يمر من فوق قرص الشمس أو من تحته كما يرى من الأرض، لا أمامه، فلا يحجب منه شيئًا. ولا يقع الكسوف إلا إذا صادف المحاق إحدى نقطتي تقاطع المدارين أو اقترب منها بما يكفي، وهذا لا يتهيأ إلا في فترتين من السنة. والأمر نفسه في الخسوف مع البدر.
هل النظر إلى الخسوف يحتاج إلى وقاية مثل الكسوف؟
لا. في الخسوف أنت تنظر إلى القمر وقد خفت ضوءه المنعكس أصلًا، فالنظر إليه بالعين المجردة لا يختلف عن النظر إلى أي ليلة أخرى، ولا يحتاج إلى مرشح ولا إلى آلة. أما الكسوف فالأمر فيه معكوس تمامًا، لأن الذي تنظر إليه هو الشمس نفسها ولو نقص منها جانب، والنظر إليها من غير مرشح مصنوع لهذا الغرض يؤذي البصر. والنظارة الشمسية العادية لا تصلح لهذا الغرض بحال.
لماذا يحمر القمر في الخسوف الكلي؟
لأن الأرض لا تحجب ضوء الشمس حجبًا تامًا. جزء من الضوء يمر بحافة الغلاف الجوي فينحني قليلًا ويدخل إلى داخل الظل، ويفقد في طريقه لونه الأزرق بالتشتت في الهواء، فلا يصل إلى وجه القمر إلا الجزء الأحمر منه. ولهذا يظهر القرص نحاسيًا بدل أن يختفي. ودرجة الحمرة ليست واحدة في كل مرة، فهي تشتد وتخف بحسب ما يكون في جو الأرض يومها من غبار وسحاب ورماد.

تابع القراءة