القمر بالغًا الجهة المقابلة للشمس ووجهه المتجه إلينا مضاء عن آخره، ولماذا يبدو مكتملًا ثلاث ليال متتابعة، ولماذا يختلف تاريخ البدر بين تقويم وآخر تبعًا لتوقيت البلد، ثم ما الذي اعتاد المفسرون قراءته في هذه الليلة منذ زمن بعيد.
يكتمل القمر في اللحظة التي يبلغ فيها الجهة المقابلة للشمس من الأرض، فيقع ضوء الشمس على وجهه المتجه إلينا في خط شبه مستقيم، فيبدو القرص كله مضيئًا. وهي لحظة واحدة لا ليلة كاملة، ويفصل بين اكتمال واكتمال نحو 29 يومًا ونصف اليوم.
القمر لا يصنع ضوءًا من عنده. كل ما رأيته منه في حياتك ضوء شمس منعكس، ونصف القمر مضاء في كل لحظة من الشهر. والأطوار ليست أعقد من هذا: مقدار ما يصادف أن يكون ذلك النصف المضاء متجهًا نحونا بينما يمضي القمر في مداره.
وعند الاكتمال نكون ننظر إلى النصف المضاء في مواجهته. والاصطفاف قريب لكنه لا يكون تامًا أبدًا، وهذا النقص هو المهم. فمدار القمر مائل نحو خمس درجات على مدار الأرض حول الشمس، فيمر القمر في أكثر الشهور فوق الظل الذي ترميه الأرض خلفها أو تحته. وإذا مر داخل ذلك الظل وقع خسوف القمر، ولهذا لا يقع الخسوف إلا ليلة اكتمال القمر، ولا يقع مع ذلك في أكثر الشهور.
وتستطيع أن تتحقق من هذه الهندسة بعينك وحدها. البدر يطلع من الشرق وقت غروب الشمس، ويبلغ أعلى ارتفاعه نحو منتصف الليل، ثم ينزل مع أول الصباح. وهو الطور الوحيد الحاضر في السماء طوال الليل، والقمر الذي تراه عاليًا فوق رأسك في العصر ليس بدرًا مهما كتب التقويم.
لحظة الاكتمال مضبوطة بالدقيقة، وكثيرًا ما تقع والقمر تحت أفق مدينتك أو والسماء عندك مضيئة بالنهار. فالذي تراه أنت في الحقيقة هما الليلتان المحيطتان بها.
والعين لا تفرق بين قرص أضيء عن آخره وقرص نقصت من حافته شعرة رفيعة، فيقرأ القمر بدرًا ثلاث أمسيات متتابعة، ويختلف الناس في طيب خاطر أيها كانت الليلة الحقيقية.
ومن هذه الدقة نفسها يأتي اختلاف التقاويم. اللحظة واحدة في السماء، والساعات التي تكتب بها مختلفة على الأرض: يقع الاكتمال قبل منتصف الليل بقليل في الدار البيضاء وبعده بساعات في دبي، فيقيده تقويم في ليلة الأربعاء ويقيده آخر في يوم الخميس، والحدث واحد لم يتكرر. ولا خطأ في أي منهما، ولهذا لا ينفعك تقويم القمر إلا إذا كان مضبوطًا على توقيت البلد الذي تعيش فيه.
ما دام القمر لا يكتمل إلا وهو في مقابلة الشمس، فهو أبدًا في البرج المقابل للبرج الذي تعبره الشمس في تلك الأيام. الشمس في الثور، وبدر ذلك الشهر في العقرب. الشمس في القوس، والبدر في الجوزاء. والقاعدة لا تتخلف مرة واحدة، لأنها هندسة لا اصطلاح اتفق عليه المفسرون.
ولهذا يحمل كل بدر اسم برج غير البرج الذي تعيش موسمه، وهي نقطة تربك كثيرين حين يفتحون تقويم القمر أول مرة. وهي أيضًا ما يعطي كل بدر الهيئة نفسها في التقليد: برجان متقابلان مشغولان في وقت واحد، في أحدهما الشمس وفي الآخر القمر.
ومن هنا يأتي أمر يفاجئ من ينتظر بدر برجه في شهر ميلاده. البدر الذي يقع في برجك أنت يأتي في الموسم المقابل لموسم ولادتك، أي بعد نحو نصف سنة منه، لأن الشمس تكون عندئذ في الجهة الأخرى من الدائرة، وهي شرط اكتمال القمر في برجك.
المحاق، أي الليلة التي يغيب فيها القمر عن النظر، يقرأ نقطة بدء. والبدر يقرأ منذ زمن بعيد على أنه الذروة: المرحلة التي يظهر فيها ما بدأته، أو يصل، أو يتبين ما كان يساوي. والقراءة تتبع الصورة المعلقة فوقك تتبعًا مباشرًا، فكل شيء مضاء، ولا شيء مخبأ، وأسطع جرمين في السماء يشدان من طرفين متقابلين.
ويستعمل هذا الموعد في العادة علامة على أربعة أمور:
وهذه معان وضعها الناس فوق إيقاع طبيعي منتظم، لا آثار قامت عليها تجربة. وأنفع ما فيها أنها تذكرة: موعد يعود كل شهر ويسألك عما بدأته له قيمة، سواء كان للقمر في الجواب يد أو لم يكن له.
مدار القمر بيضاوي لا دائري، فمسافته عنا تتغير خلال الشهر الواحد. والبدر الذي يقع في الطرف القريب من هذا البيضي يبدو أوسع بنحو 14 في المئة وأسطع بنحو 30 في المئة من بدر يقع في الطرف البعيد، وهو ما يسمى البدر العملاق. والمشكلة أن الفرق لا يرى إلا بصورة من النوع الآخر توضع إلى جانبه، أما في سماء خالية فكل بدر يبدو بدرًا.
ويسمى ثاني بدر يقع داخل شهر ميلادي واحد بالبدر الأزرق، وليس في التسمية لون ولا معنى فلكي، وإنما تقع الحالة كل سنتين أو ثلاث لأن دورة الأطوار تسع داخل أكثر الشهور وتفضل منها أيام.
وفي التقويم الهجري ترتبط الليلة بالعدد لا بالاسم. الشهر القمري يبدأ مع أول هلال، فيقع اكتمال القمر قرب منتصفه، في الليلة الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، ومن هنا جاء التشبيه العربي المعروف بليلة أربعة عشر. وهو تعبير مطابق للحساب لا مصادفة في اللغة.
الدعاوى التي تتكرر أكثر من غيرها، من كثرة الولادات إلى كثرة الحوادث إلى الليالي التي لا ينام فيها الناس، اختبرت مرات كثيرة وخرجت النتائج ضعيفة متعارضة. فلا يوجد دليل مستقر على أثر للقمر في سلوك الناس، ومن يخبرك بغير ذلك يتقدم كثيرًا على ما ثبت فعلًا.
وأمران أوضح من ذلك يجريان في الخلفية. أولهما أن البدر يغمر الليل بضوء حقيقي، وكان هذا في أكثر تاريخ الناس هو الفرق بين أن تسير القافلة ليلًا في الصحراء وأن تنتظر إلى الصباح، وهذا وحده يكفي لتحمل الليلة ثقلًا في الذاكرة قبل أن يكتب أحد توقعًا. وثانيهما أن التوقع يتم الباقي: حين تعرف أن الليلة ليلة بدر يقيد أرقك في حسابه، بينما أرق مثله قبل أسبوعين مر باعتباره ليلة سيئة لا أكثر.


