البرج الصاعد فوق الأفق الشرقي في دقيقة ولادتك، ولماذا يعده المفسرون الوجه الأول الذي يقابل به الناس. وفيه أيضًا سبب كونه الموضع الوحيد في خريطة الميلاد الذي لا ينفع فيه تقدير الساعة بالتخمين، وأين تبحث عن الساعة إن كانت ناقصة.
الطالع هو البرج الذي كانت حافة المشرق ترفعه في الدقيقة التي ولدت فيها، وفي البقعة التي ولدت فيها بالذات. هو لا يقول لك أين كانت الشمس يومها، بل إلى أي جهة كانت السماء قد أدارت وجهها في تلك اللحظة القصيرة وحدها.
تتم الأرض دورة كاملة حول محورها كل 24 ساعة، فتبدو دائرة الأبراج وكأنها تمر أمام الأفق مرة واحدة في اليوم. اقسم 12 برجًا على هذه الساعات تخرج بالقاعدة المعروفة: برج جديد يصعد فوق الأفق الشرقي كل ساعتين تقريبًا، ثم يزيحه الذي يليه.
وهذه السرعة هي كل قصة الطالع. برج الشمس واحد عند كل من ولد في تاريخ ميلادك في أي بقعة من الأرض، فلا يميزك عن ملايين غيرك. أما الطالع فقد يختلف بينك وبين طفل ولد في المستشفى نفسه بعدك بساعة ونصف. مولودان في يوم واحد في القاهرة، أحدهما مع أول الضوء والآخر بعد العشاء، يخرجان في الغالب بطالعين لا يشبه أحدهما الآخر.
والمكان يدخل في الحساب كما يدخل الوقت. الأفق في الرياض لا ينظر إلى الجزء نفسه من السماء الذي ينظر إليه الأفق في الدار البيضاء في اللحظة عينها، ولذلك يطلب منك أي حساب جاد خط العرض وخط الطول، لا اسم البلد وحده ولا اسم القارة.
القراءة المتوارثة تجعل الطالع الجزء الذي يقابل الناس قبل غيره. ليس ما يدور في رأسك، ولا ما تشعر به وحدك في البيت، بل الهيئة التي تدخل بها: إيقاعك في الكلام، ومقدار المساحة التي تشغلها في مجلس لا تعرف فيه أحدًا، والانطباع الذي يخرج به من رآك أول مرة قبل أن يسمع عنك كلمة.
ومن هنا يأتي اعتراض يتكرر كثيرًا: يقرأ الرجل وصف برجه فلا يجد نفسه فيه. أسد هادئ يراقب أكثر مما يتكلم يقرأ وصف الأسد الواثق الذي يملأ الغرفة بصوته فيظن الكلام عن شخص آخر، ثم يعرف أن طالعه العذراء أو الجدي فيتضح الفارق: برج الشمس يصف ما يحركك من الداخل، والطالع يصف الباب الذي يدخل منه الناس إليك.
والاثنان لا يتنازعان. صاحب شمس في الأسد وطالع في العقرب يبقى أسدًا، والدفء موجود فيه كما هو، لكنه لا يعلن عن نفسه عند العتبة بل ينتظر حتى تجلس.
وقبل المضي في التفاصيل يحسن تثبيت أمر واحد بوضوح: التنجيم تقليد قديم في التفسير، يقرأ به الناس أنفسهم ويرتبون به ما يلاحظونه في طباعهم، وليس وسيلة مثبتة تحدد الطباع أو تخبر بما سيقع غدًا.
ما دام البرج الصاعد لا يمكث على الأفق أكثر من ساعتين تقريبًا، فخطأ مقداره ساعة واحدة في تقدير وقت الولادة كفيل بنقلك إلى البرج المجاور، وخطأ أربع ساعات ينقلك برجين أو ثلاثة. هذا هو الموضع الوحيد في خريطة الميلاد الذي لا ينفع فيه التقدير القريب، بخلاف الشمس والقمر.
وإن كنت ولدت قرب لحظة الانتقال نفسها فحتى الدقائق تفرق. مولود قبل السابعة صباحًا بدقيقتين ومولود بعدها بسبع دقائق، في المدينة نفسها وفي الصباح نفسه، قد يخرجان بطالعين مختلفين تمامًا ويقرأ كل واحد منهما وصفًا لا علاقة له بالآخر.
وليست كل ساعة مدونة في ورقة هي لحظة الولادة بالضبط. في بعض المستشفيات يكتب الوقت بعد انتهاء الإجراءات بدقائق، وبعض الأسر تسجل الساعة التي بلغها فيها الخبر لا الساعة التي وقعت فيها الولادة. وفرق خمس دقائق أو عشر لا يقدم ولا يؤخر في أغلب الأحوال، لكنه يقلب النتيجة إن كنت قريبًا من لحظة تبدل البرج، ولذلك تنفعك النسخة الأقرب إلى الأصل كلما وصلت إليها.
ولهذا لا تقبل أي حاسبة جادة أن تعطيك طالعًا بلا ساعة. ليس تشددًا في الشكل، بل لأن الجواب بلا ساعة ليس جوابًا واحدًا، وإنما اثنا عشر جوابًا محتملًا ليس بينها ما يرجح.
الساعة مدونة في أوراق أكثر مما يظن الناس، والوصول إليها لا يكلف عادة أكثر من مكالمة واحدة أو زيارة قصيرة إلى دائرة رسمية:
أما رواية الأهل فتؤخذ بحذر. الوقت يستدير في الحكاية إلى أقرب ساعة كاملة، وربما إلى أقرب وجبة أو أقرب موعد معروف في البيت، وهذا التدوير بعينه هو ما ينقل الطالع إلى البرج المجاور دون أن ينتبه أحد إلى شيء.
عندها تترك الطالع ولا تخمنه. برج الشمس يبقى كما هو لأنه محسوب من التاريخ وحده، وبرج القمر يبقى صحيحًا في أغلب الحالات لأن القمر يمكث في البرج الواحد أكثر من يومين لا ساعتين، وهذان الموضعان يغطيان معظم ما يقصده الناس حين يتحدثون عن خريطة الميلاد.
الذي تخسره هو الطالع وحده وما يتفرع عنه من ترتيب باقي الخريطة على الدائرة. وهي خسارة حقيقية لا ينكرها أحد، غير أنها أهون كثيرًا من أن تبني سنوات من القراءة والتفسير على طالع لم يكن طالعك في يوم من الأيام.
السؤال المفيد بعد معرفة الطالع ليس ماذا يقول عنك وحده، بل أين يتفق مع الشمس والقمر وأين يفترق عنهما، فالخريطة تقرأ بالعلاقات لا بالأجزاء المفردة.
حين تشير المواضع الثلاثة إلى جهة واحدة يقرأك الناس بسرعة وبدقة، ويندر أن يفاجئهم منك تصرف. وحين يقف الطالع بعيدًا عن الاثنين الآخرين تكون الانطباعات الأولى عنك خاطئة في الغالب، وربما قضيت سنوات توصف بأوصاف لا تشبه ما تعرفه عن نفسك من الداخل، فتسمع الوصف وتصمت لأنك لا تجد ما ترد به.
وهذه المسافة بين ما يظهر وما يخفى ليست خللًا في الخريطة ولا تناقضًا فيها. هي في العادة أكثر ما فيها إفادة، لأنها تسمي لك شيئًا كنت تلاحظه في نفسك منذ زمن ولا تجد له اسمًا واضحًا.


